محمد محمد أبو موسى
372
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
ذلك ، وليشهد عليهم بأنه لم يبق له فيهم صلة ، وأنهم لا يستأهلون الا أن يخذلوا ، ويخلى بينهم وبين ضلالهم يتسكعون فيه » « 252 » ومن معاني صيغة الأمر الدلالة على تناهى السخط من الآمر وذلك إذا كان المأمور به غير مرغوب فيه كما في قوله تعالى : « لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ » « 253 » قال الزمخشري : « فان قلت : كيف جاز أن يأمر اللّه تعالى بالكفر وبأن يعمل العصاة ما شاءوا وهو ناه عن ذلك ومتوعد عليه ؟ قلت : هو مجاز عن الخذلان والتخلية ، وان ذلك الأمر متسخط إلى غاية ، ومثاله أن ترى الرجل قد عزم على أمر وعندك أن ذلك الأمر خطأ ، وأنه يؤدى إلى ضرر عظيم ، فتبالغ في نصحه واستنزاله عن رأيه ، فإذا لم تر منه الا الإباء والتصميم حردت عليه ، وقلت : أنت وشأنك ، وافعل ما شئت ، فلا تريد بهذا حقيقة الأمر ، وكيف والآمر بالشئ مريد له وأنت شديد الكراهية متحسر ، ولكنك كأنك تقول له : فإذ قد أبيت قبول النصيحة فأنت أهل ليقال لك : افعل ما شئت ، وتبعث عليه ، ليتبين لك - إذا فعلت - صحة رأى الناصح ، وفساد رأيك » « 254 » ومنها الترغيب في المأمور به وذلك إذا كان الأمر بالشئ عقب النهى عن نقيضه كما في قوله تعالى : « وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ ، إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ . وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ » « 255 » يقول الزمخشري : « فان قلت : النهى عن النقصان أمر بالايفاء فما فائدة قوله « أوفوا » ؟ قلت : نهوا أولا عن عين القبيح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان لأن في التصريح بالقبيح نعيا على المنهى ، وتعييرا له ، ثم ورد الأمر بالايفاء الذي هو حسن في العقول معرفا بلفظه ، لزيادة ترغيب فيه وبعث عليه » « 256 » وقد يكون الأمر بمعنى الخبر في صورة الأمر وذلك لمعان
--> ( 252 ) الكشاف ج 2 ص 286 . ( 253 ) العنكبوت : 66 ( 254 ) الكشاف ج 3 ص 365 . ( 255 ) هود : 84 ، 85 ( 256 ) الكشاف ج 1 ص 326 .